موعد في بيت السحيمي: عندما همست الجدران بحكايات القاهرة
لم تكن رحلتي إلى القاهرة مجرد عبور في دروبها، بل كانت استنطاقًا لروحها، بحثًا عن التاريخ بين أزقتها، واستراقًا للسمع من الجدران العتيقة، حيث الهمسات لا تزال تحمل أصداء الماضي. كان بيت السحيمي واحدًا من تلك المحطات التي عقدت العزم على زيارتها، حيث الحجر ينطق، والخشب يحكي، والنوافذ تروي أسرارًا عبرت العصور.
عقبةٌ عند البوابة
في اليوم الثالث من زيارتي، خطوتُ بثقة إلى شارع المعز، تغمرني فرحة المستكشف، وتحدوني رغبة التعمق في عمارة الحضارة الإسلامية. وقفتُ أمام بيت السحيمي، وقد سحرتني تفاصيله قبل أن ألج أبوابه. ابتسمت في سرّي وكأنني على وشك الظفر بكنزٍ دفين. لكن فجأة، اصطدمت بأول عثرة في طريقي، إذ رفض الحارس دخولي! لأني لا أملك تذكرة الدخول،،
لم أكن لأستسلم لتلك العقبة الصغيرة، فاندفعتُ إلى شباك التذاكر في نهاية الشارع، وعند وصولي، أخبرني البائع بأن التذكرة التي سأشتريها تتيح لي دخول جميع المعالم الأثرية في شارع المعز. كانت فرصة لا تعوَّض، وكأن القدر يريد لي أن أتنقل بين أروقة الماضي قبل أن أعود إلى وجهتي الأصلية.
همسات الماضي في مجموعة قلاوون
في طريقي إلى بيت السحيمي، اجتذبتني مجموعة قلاوون، فدخلت لأتأمل هذا الصرح المهيب. هناك، قابلني أحد المرشدين المميزين، فبدأ يسرد لي حكاية المكان، من مدرسة الفقه إلى ضريح السلطان، من هندسة البناء إلى عبقرية التخطيط.
ثم ذكر اسم رجل... رجلٌ لمعت صورته في رأسي قبل أن يكمل حديثه. هل هو...؟ لا، ربما هو مجرد تشابه أسماء! لكن الفضول جثم على صدري، حاولت أن أتحقق عبر مواقع التواصل، لكنه لم يكن يضع صورته.
حاول المرشد إقناعي بالبقاء، فذلك الرجل العظيم على وشك الوصول، لكن الزمن لم يكن في صفي، وكنت أخشى أن يفوتني موعدي في بيت السحيمي. اعتذرت بأدب، وغادرت سريعًا، وأنا أقاوم إحساسًا غريبًا بأنني على وشك لقاءٍ غير متوقع.
الصدمة عند الباب
عدت إلى بيت السحيمي، والتذكرة بين أصابعي ممزقة بفعل الحماس والتوتر، لكنني كنت سعيدًا أنني وصلت قبل أن تُغلَق الأبواب. وقفت أمام الموظف، مددت التذكرة مجددًا، وابتسمت. لكنه لم يبادلني الابتسامة، بل هز رأسه وقال:
"التذكرة ليست صالحة! هذه التذكرة لا تشمل بيت السحيمي." قالها ببرود كأنها حجر سقط في بئر أحلامي.
كلماته كانت خنجرًا في خاصرة الوقت. لم يكن هناك مجالٌ للعودة وشراء تذكرة أخرى، ولم يكن في جدولي متسعٌ ليومٍ آخر. وقفت هناك، مجادلًا، محاولًا استنطاق بعض الرحمة في عين الحارس، لكن الأبواب ظلت مغلقة أمامي، حتى...
جاء الصوت من خلفي، ثابتًا، واثقًا، مفعمًا بالحزم. التفتُ فإذا به... الدكتور عصام الجاسر! الرجل الذي لمعت صورته في ذهني حين ذكره المرشد، الرجل الذي لم أتأكد من هويته قبل قليل، لكنه الآن واقف أمامي، بل ومد يده نحوي قائلاً بابتسامة:
"تعال معي!"
كأن الزمن انحنى احترامًا لهذه اللحظة، وكأن التاريخ نفسه أزاح ستاره ليتيح لي الدخول. أمسك بيدي، وعبرنا بوابة بيت السحيمي دون أن ينطق الحارس بكلمة، بل على العكس، انفتح أمامنا كل باب، وانزاحت القيود عن الأماكن المغلقة، وكأن المكان يحتفي بهذا اللقاء الذي لم يكن في الحسبان.
عندما نطقت الجدران بالحكايات
داخل بيت السحيمي، بدأ الدكتور يشرح لي عن تاريخه، يتنقل بين الغرف كمن يفتح كتابًا قديمًا تتطاير من صفحاته أزمنة بعيدة. لم يكن وحده، فقد كان برفقته خبيرٌ آخر في الآثار، وكلاهما يغزلان نسيج الحكاية، وأنا بينهم أرتشف المعرفة كمن وجد ماءً زلالًا بعد عطش طويل.
بعد الجولة، جلسنا في إحدى الأروقة الهادئة، حيث الزمن يتوقف، والصمت يتكلم. نظر إليَّ الدكتور عصام وقال:
"لأول مرة أقابل شخصًا من نفس البلدة مهتمًا بالآثار."
جملته كانت أكثر من مجرد كلمات، كانت مرآة تعكس لقاءً أكبر من لقاء شخصين، بل لقاء بين الجذور، بين الشغف، بين الزمن الذي حملنا من قريتنا الصغيرة إلى هذا البيت العريق في قلب القاهرة.
في تلك اللحظة، قررت أن أعدل خطتي، أن أمكث أكثر، أن أعود إليه في اليوم التالي، فبعض اللقاءات لا تكتفي بلحظة، بل تحتاج إلى امتدادٍ يليق بها.
ما بين الأزقة والمواعيد التي يصنعها القدر
لم يكن هذا اللقاء مجرد صدفة، بل كان رسالةً خفية، بأن التاريخ ليس فقط في الكتب، بل في العيون التي تلمع حين تتحدث عنه، في الأصوات التي تشرح تفاصيله، في الأيادي التي تفتح لك الأبواب المغلقة.
ربما قصدت بيت السحيمي بحثًا عن الجدران التي تحكي، لكنني وجدت في لقاء الدكتور عصام الجاسر قصة أكثر دفئًا مما تخبئه الحجارة. بيت السحيمي كان موعدًا مع الماضي، لكنه أيضًا كان بوابة للقاءٍ مع شخص يربطني به الحاضر... والمستقبل.
حرر يوم الخميس 30 / رجب / 1446 هـ

كلمات ووصف رائع
ردحذفرائع ورائع ما سردت وحبك الموقف
ردحذف