على أعتاب الشموخ: حين يصنعنا الرحيل وتشكلنا الذكريات..


كنتُ أعلم دائمًا أن الدمام ليست محطتي الأخيرة، كنت أشعر بذلك كما يشعر العابر بمحطة لا ينوي البقاء فيها طويلًا. لم أكن أعلم وجهتي التالية، لكنني كنت متيقنًا أن هذه المدينة التي احتضنت بداياتي ليست النهاية، بل بداية جديدة لشيء لم تتضح معالمه بعد.

هنا الرواية..

الأحساء، كانت أولى محاولاتي لإيجاد جذور المعرفة، لكنها رفضتني بلطفٍ يشبه العتاب. لم تقل لي "لا تنتمي"، لكنها لم تقل لي "ابقَ" أيضًا. كنت أبحث عن ظلي في شوارعها، عن ملامحي في جدرانها، عن اسمي بين أوراقها الرسمية، فلم أجدني. عندما جاءتني رسالة القبول الأولى من جامعة الدمام، لم أفكر طويلًا، التحقت بها وكأنها البديل الوحيد، وكأنها الفرصة التي لا تحتمل التأجيل.

لكن الأحساء عادت تلوّح لي، كأنها تريد أن تمنحني فرصة أخرى، كأنها تعيد النظر في حكمها الأول. حين أدرجت اسمي أخيرًا ضمن المقبولين في جامعة الملك فيصل، شعرت للحظة أنني عدت إلى حيث يجب أن أكون، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. لم تستقبلني الجامعة بترحيب الفاتحين، ولم تمنحني طريقًا مفروشًا بالأمان. كنت في كلية الحاسب، الحلم الذي راودني منذ الطفولة، لكنه لم يكن كما تخيلته، أو ربما لم أكن أنا كما تخيلت نفسي فيه. لم تدم المحاولة طويلًا، وقبل أن أُجبر على اتخاذ قرار الاستمرار بلا رغبة، اخترت أن أغادر. لم أكن مستعدًا لتقديم تنازلات، ولا أقبل أنصاف الحلول، فخرجتُ دون أن ألتفت، وكأنني أغلقت هذا الباب إلى الأبد.

لكن الأبواب المغلقة ليست دائمًا النهاية، أحيانًا تعيدك الطرق إلى حيث كنت تهرب. بعد عام، وجدت نفسي أمام الدمام مجددًا، لكن هذه المرة كنت أكثر حذرًا، أكثر صلابة، أقل تعلقًا بالحلم، وأكثر تعلقًا بالتجربة. دخلت السنة التحضيرية وأنا مؤمن أنني سأجتازها، أنني لن أكرر الأخطاء السابقة، أن هذه المرة ستكون مختلفة. لكنها لم تكن كذلك. في نهاية السنة، وجدت نفسي في ذات المكان، أبحث عن مخرج، عن تفسير، عن فرصة أخرى. لم يكن الفشل هذه المرة عابرًا، كان أشبه بسؤال يلاحقنيماذا بعد؟

حين تكثر الأسئلة، يبحث الإنسان عن مساحة أوسع من المدن، عن مكان لا يحتاج فيه إلى إجابات مباشرة، عن تجربة لا يُحكم فيها على أرقام ونسب وقبول ورفض. ذهبت إلى مكة، حججت، تطوعت، عشت أيامًا لم يكن فيها الماضي يطاردني، ولم يكن المستقبل يؤرقني. وعندما عدت، لم أكن أعلم أن الدمام ستفتح لي بابًا جديدًا، لكن هذه المرة، لم يكن في كلية الحاسب، بل في كلية التربية. لم أخترها كما يختار الإنسان حلمًا قديمًا، بل قبلتها كما يقبل الإنسان قدره بعد مقاومة طويلة.

خمس سنوات ونصف عشتها في الدمام، كانت حياة كاملة بذاتها. درست، عملت، تعلمت، تغيرت. لكن القدر كان يحمل لي رحلة أخرى بعد التخرج، لم تكن العودة إلى الأحساء سوى استراحة مؤقتة، كأنها أرادت أن تقول لي: "لا زلتُ هنا، لكن لا تظنن أنني سأبقيك طويلاً". عاصرت فيها تجارب وظيفية جعلتني أنفر منها من جديد.

كنتُ أعلم دائمًا أن الدمام ليست محطتي الأخيرة، كنت أشعر بذلك كما يشعر العابر بمحطة لا ينوي البقاء فيها طويلًا. لم أكن أعلم وجهتي التالية، لكنني كنت متيقنًا أن هذه المدينة التي احتضنت بداياتي ليست النهاية، بل بداية جديدة لشيء لم تتضح معالمه بعد.

والآن، الرياض. لم أكن مستعدًا لها، لكنها لم تسألني إن كنت مستعدًا. جاءت كما تأتي المحطات التي لا تُخطط لها، لكنها تحمل في داخلها فرصةً يستحيل تجاهلهاالرياض لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالًا فكريًا، نقطة تحول جديدة في مسيرة لم تتوقف يومًا عن البحث عن الأفضل.

هنا، الفرصة أوسع، الأفق أرحب، والمساحة التي تمنحها هذه المدينة لمن يريد أن يرتقي لا تعرف حدودًا. لم أعد مجرد معلمٍ كما كنت في الدمام، بل أصبحت وكيلًا طلابيًا، مسؤولًا عن قيادة جزء من هذه المنظومة التعليمية، أتعلم وأتطور وأوسع مداركي. لكن الطموح لا يتوقف هنا، فالنظر دائمًا إلى الأعلى، إلى ما هو أبعد من المألوف، إلى تحديات جديدة أصنع بها أثري الخاص.

قد تكون هذه محطتي الأخيرة، وقد لا تكون، لكن ما أعرفه يقينًا أنني أحد أولئك الذين قال عنهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان"همة السعوديين كجبل طويق، لا تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل وتساوى في الأرض." وهذا ما أؤمن به تمامًا، فكل مدينة عبرتُها كانت درسًا، وكل مرحلة كانت خطوة، وما زلت أسير، لا أخشى الرحيل، ولا أتوقف عند الوصول.

 


حرر في يوم الأحد 2 / رمضان / 1446 هـ

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الانعكاس الذاتي: كيف تؤثر تصوراتنا على سلوكنا وهويتنا؟

موعد في بيت السحيمي: عندما همست الجدران بحكايات القاهرة