رمضان فرصة وأي فرصة..

 

ها قد مضى الثلث الأول، ومضت معه أيامٌ كنا نظنها لن تمضي، لكنها انسلّت من بين أنامل الوقت كما ينسلّ النور من شقوق الليل. ما أشبه الأيام بالريح العابرة، تهبّ فلا تبقي لنا إلا أثرها، ورمضان يمضي، لكنه يترك فينا ما لا يمحوه الزمن... فهل وعينا أثره؟

رمضان... أيها الزائر الذي يأتي محمّلًا بالنور، فكيف لبعض القلوب أن تستقبلك كأنك عابر طريق؟ وكيف لأرواحٍ عطشى ألا ترتوي منك، وأنت النهر الذي يجري في صحراء العمر؟

ها قد رحلت العشر الأولى، ومضى مع غروب شمسها فصلٌ من روايتنا الرمضانية، وما زالت الصفحات تُقلّب، وما زال القلم بين أيدينا، فكيف سنكتب بقية الحكاية؟

هل تبدّل فينا شيء؟

يأتينا رمضان، ونبني معه أحلامًا من نور، نَعِد أنفسنا أن نكون خيرًا، أن نُعيد ترتيب أرواحنا كما تُرتّب الأمهات موائد الإفطار بحبٍّ وانتظار. لكن الأيام تُدير عجلة الزمن سريعًا، فنجد أنفسنا نقف عند السؤال ذاته: هل تبدّل فينا شيء؟

بعضنا يجتهد في العبادة، وبعضنا ينساق وراء التفاصيل الصغيرة التي تسرق منه الليالي، فتضيع في زحام الأعمال والملهيات، ثم نُفاجأ أن رمضان كاد أن يمضي كما جاء...

لكنّ الفرصة لم تُغلق بعد، فما زال الباب مفتوحًا، وما زالت أنفاس الشهر تتردد بيننا، وما زالت ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر تنتظر من يُحسن استقبالها.

ليلة القدر... حين يختزل العمر في لحظة

في فصلٍ من فصول هذا الشهر، ليلةٌ تختصر الزمن، لحظةٌ تضاهي الدهر، بابٌ يُفتح ليمرّ منه من شاء إلى نور الله.

ذات يوم، في حصةٍ دراسية، سألني أحد الطلاب: أستاذ، كيف يعني ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر؟
تبسّمتُ وأنا أراه يحاول أن يُدرك بعقله هذا الامتداد الهائل للزمن، فقلت: يعني أنها تعادل 83 سنة من العبادة.
نظر إليّ بعينين متسائلتين، ثم عاد ليقول ببراءةٍ مدهشة: يعني لو أدركناها خمسين مرة... نكون قد عبدنا الله أكثر من أربعة آلاف عام؟
أجبته: نعم، بل وأكثر، فكر بالأمر وكأن الله يضاعف لك الأجر بلا حساب...
فابتسم وقال بحماسة: أستاذ، هذا مثل دبل إكس بي في الألعاب!
ضحكتُ وقلت: بل هو أكثر من ذلك بكثير... هو مضاعفة الحسنات ومغفرة السيئات بكرمٍ لا حد له.

الصيام... سرٌّ بين العبد وربّه

كل العبادات معلنة، يراها الناس ويسمعون بها، إلا الصيام، فهو سرٌّ مكتومٌ بين العبد وربّه. هو الامتناع عن الشهوات، لكنه قبل ذلك، هو الامتناع عن التعلّق بالدنيا أكثر مما يجب.

أليس عجيبًا أن يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به"؟
وكأن الله يحتفظ بجزاء الصيام ليومٍ يكون المرء أحوج ما يكون إلى قطرة رحمة، ونقطة نجاة.

في الصيام، يُصبح الجسد أقلّ صخبًا، فترتفع الروح، وتتحرّر من قيود العادة، وتبحث عن نورٍ لا يُرى، عن قربٍ لا يُحد، عن سكينةٍ لا يُفسرها إلا من ذاقها.

رمضان... فرصة لن تعود مرتين

منذ أن بدأ الشهر ونحن نعدّ الأيام، لكننا لم ننتبه أن الأيام كانت تعدّنا أيضًا... تعدّنا لنكون أقرب، أنقى، أصفى.
لكنّ الفرص لا تدوم، والأنوار لا تبقى مشرعةً للأبد، فمن لم يدخل في قوافل العائدين اليوم، قد لا يجد لها أثرًا غدًا.

ورمضان سيمضي، كما مضى الذي قبله، وستُطوى صفحاته كما طُويت صفحات غيره، لكن السؤال الذي سيبقى معلقًا في السماء: ماذا سيبقى منه فينا؟

اللهم لا تجعلنا ممن أدركوا رمضان ولم يغفر لهم، ولا تجعلنا من الغافلين عن نفحاته، وأكرمنا بقبولٍ يبقى حتى نلقاك.




حرر يوم الاثنين 10 / رمضان / 1446 هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الانعكاس الذاتي: كيف تؤثر تصوراتنا على سلوكنا وهويتنا؟

موعد في بيت السحيمي: عندما همست الجدران بحكايات القاهرة

على أعتاب الشموخ: حين يصنعنا الرحيل وتشكلنا الذكريات..